ابن تيمية
28
منهاج السنة النبوية
وَابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ يَقُولُونَ : الْوُجُودُ الْوَاجِبُ هُوَ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ بِسَلْبِ الْأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ دُونَ السَّلْبِيَّةِ ، وَهَذَا أَبْعَدُ عَنِ الْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ مِنَ الْمُقَيَّدِ بِسَلْبِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ . فَقُلْتُ لِأُولَئِكَ الْمُدَّعِينَ لِلتَّحْقِيقِ : أَنْتُمْ بَنَيْتُمْ أَمْرَكُمْ عَلَى الْقَوَانِينِ الْمَنْطِقِيَّةِ ، وَهَذَا الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ ، الْمُقَيَّدُ بِسَلْبِ النَّقِيضَيْنِ عَنْهُ ، لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ ( * بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ ، وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِي الذِّهْنِ تَقْدِيرًا ، وَإِلَّا فَإِذَا قَدَّرْنَا إِنْسَانًا مُطْلَقًا ، وَاشْتَرَطْنَا فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْجُودًا وَلَا مَعْدُومًا ، وَلَا وَاحِدًا وَلَا كَثِيرًا ، لَمْ يُوجَدْ فِي الْخَارِجِ ، بَلْ نَفْرِضُ فِي الذِّهْنِ ، كَمَا نَفْرِضُ الْجَمْعَ بَيْنَ * ) ( 1 ) النَّقِيضَيْنِ ، فَفَرْضُ رَفْعِ ( 2 ) النَّقِيضَيْنِ كَفَرْضِ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ . وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ تَارَةً يَصِفُونَهُ بِجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ أَوِ الْإِمْسَاكِ عَنْهُمَا ، كَمَا يَفْعَلُ ابْنُ عَرَبِيٍّ وَغَيْرُهُ كَثِيرًا ( 3 ) ، وَتَارَةً يَجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ، كَمَا يُوجَدُ أَيْضًا فِي كَلَامِ أَصْحَابِ " الْبِطَاقَةِ " وَغَيْرِهِمْ . فَإِذَا قَالُوا مَعَ ذَلِكَ : إِنَّهُ مُبْدِعُ الْعَالَمِ ، وَشَرَطُوا فِيهِ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِثُبُوتٍ وَلَا انْتِفَاءٍ ( 4 ) - كَانَ تَنَاقُضًا ; فَإِنَّ كَوْنَهُ مُبْدِعًا لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا وَهَذَا . وَكَذَلِكَ إِذَا قَالُوا مَوْجُودٌ وَاجِبٌ ، وَشَرَطُوا فِيهِ التَّجْرِيدَ عَنِ النَّقِيضَيْنِ - كَانَ تَنَاقُضًا .
--> ( 1 ) : مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( م ) . ( 2 ) رَفْعِ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( م ) . ( 3 ) م : بِكَثْرَةٍ . ( 4 ) م : بِثُبُوتِ الِانْتِفَاءِ .